الغزالي
89
المستصفى
يخرج عن اللفظ ما قصد به الدلالة عليه ، فإن قوله : إفعل أبدا ، يجوز أن ينسخ ، وما أريد باللفظ بعض الأزمنة ، بل الجميع ، لكن بقاؤه مشروط بأن لا يرد ناسخ ، كما إذا قال : ملكتك أبدا ، ثم يقول : فسخت ، فالفسخ هذا إبداء ما ينافي شرط استمرار الحكم بعد ثبوته ، وقصد الدلالة عليه باللفظ ، فلذلك يفترقان في خمسة أمور : الأول : أن الناسخ يشترط تراخيه ، والتخصيص يجوز اقترانه ، لأنه بيان بل يجب اقترانه عند من لا يجوز تأخير البيان . الثاني : أن التخصيص لا يدخل في الامر بمأمور واحد ، والنسخ يدخل عليه . والثالث : أن النسخ لا يكون إلا بقول وخطاب ، والتخصيص قد يكون بأدلة العقل والقرائن وسائر أدلة السمع . الرابع : أن التخصيص يبقى دلالة اللفظ على ما بقي تحته حقيقة كان أو مجازا ، على ما فيه من الاختلاف ، والنسخ يبطل دلالة المنسوخ في مستقبل الزمان بالكلية . الخامس : أن تخصيص العام المقطوع بأصله جائز بالقياس ، وخبر الواحد وسائر الأدلة ، ونسخ القاطع لا يجوز إلا بقاطع ، وليس من الفرق الصحيح قول بعضهم أن النسخ لا يتناول إلا الأزمان ، والتخصيص يتناول الأزمان والأعيان والأحوال ، وهذا تجوز واتساع ، لان الأعيان والأزمان ليست من أفعال المكلفين ، والنسخ يرد على الفعل في بعض الأزمان ، والتخصيص أيضا يرد على الفعل في بعض الأحوال ، فإذا قال : اقتلوا المشركين إلا المعاهدين ، معناه لا تقتلوهم في حالة العهد واقتلوهم في حالة الحرب ، والمقصود أن ورود كل واحد منهما على الفعل وهذا القدر كاف في الكشف عن حقيقة النسخ . الفصل الثاني : من هذا الباب في إثباته على منكريه والمنكر إما جوازه عقلا أو وقوعه سمعا ، أما جوازه عقلا فيدل عليه أنه لو امتنع لكان إما ممتنعا لذاته وصورته أو لما يتولد عنه من مفسدة أو أداء إلى محال ولا يمتنع لاستحالة ذاته وصورته ، بدليل ما حققناه من معنى الرفع ، ودفعناه من الاشكالات عنه ، ولا يمتنع لأدائه إلى مفسدة وقبح ، فإنا أبطلنا هذه القاعدة وإن سامحنا بها فلا بعد في أن يعلم الله تعالى مصلحة عباده في أن يأمرهم بأمر مطلق حتى يستعدوا له ويمتنعوا ، بسبب العزم عن معاص وشهوات ، ثم يخفف عنهم ، وأما وقوعه سمعا فيدل عليه الاجماع والنص ، أما الاجماع فاتفاق الأمة قاطبة على أن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم نسخت شرع من قبله ، إما بالكلية وإما فيما يخالفها فيه ، وهذا متفق عليه ، فمنكر هذا خارق للاجماع ، وقد ذهب شذوذ من المسلمين إلى إنكار النسخ ، وهم مسبوقون بهذا الاجماع ، فهذا الاجماع حجة عليهم وإن لم يكن حجة على اليهود . وأما النص فقوله تعالى : * ( وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر ) * ( النحل : 101 ) الآية . والتبديل يشتمل على رفع وإثبات ، والمرفوع إما تلاوة وإما حكم وكيفما كان ، فهو رفع ونسخ ، فإن قيل : ليس المعني به رفع المنزل ، فإن ما أنزل لا يمكن رفعه وتبديله ، لكن المعني به تبديل مكان الآية بإنزال آية بدل ما لم ينزل ، فيكون ما لم ينزل كالمبدل بما أنزل ، قلنا : هذا تعسف بارد ، فإن الذي لم ينزل كيف يكون مبدلا ، والبدل يستدعي مبدلا ، وكيف يطلق اسم التبديل على ابتداء الانزال فهذا هوس وسخف . والدليل الثاني : قوله تعالى : * ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) * ( النساء : 061 ) ولا معنى للنسخ